حين تكلّم ملك موآب
كيف تؤكد مسلة ميشع شخصيات وأحداثًا كتابية؟
جميل خوري
ماذا لو عثرنا على ملك ورد اسمه في الكتاب المقدس، ثم اكتشفنا نصًا كتبه هذا الملك نفسه يروي فيه صراعه مع إسرائيل؟
هذا بالضبط ما تقدمه لنا مسلة ميشع، المعروفة أيضًا باسم «الحجر المؤابي». فهي ليست نصًا كتبه أحد ملوك إسرائيل، ولا وثيقة جاءت من أورشليم لتكرّر الرواية الكتابية، بل نقش ملكي دوّنه ميشع ملك موآب، أحد خصوم إسرائيل، ليحتفل بانتصاراته ويخلّد أعماله.
لذلك تُعد المسلة من أهم الاكتشافات الأثرية المرتبطة بتاريخ الكتاب المقدس؛ لأنها تمنحنا صوتًا مستقلًا قادمًا من الضفة الأخرى للصراع.
اكتشاف استثنائي في ذيبان
اكتُشفت المسلة سنة 1868 في ذيبان بالأردن، وهي الموقع الذي تقوم فيه أطلال مدينة ديبون المؤابية القديمة. نُقشت على حجر من البازلت الأسود، وتضم أربعة وثلاثين سطرًا باللغة المؤابية، وهي لغة سامية قريبة جدًا من العبرية الكتابية.[1]
يعود تاريخ المسلة إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وعلى الأرجح إلى فترة قريبة من عام 840 ق.م. وقد أقامها ميشع ملك موآب تكريمًا لإله موآب كموش، وسجّل عليها روايته لتحرره من سيطرة مملكة إسرائيل واستعادته عددًا من المدن والمناطق.[2]
تعرّض الحجر بعد اكتشافه للكسر، لكن الباحثين كانوا قد حصلوا قبل ذلك على طبعة ورقية للنقش، ساعدتهم لاحقًا على إعادة تركيب أجزاء كبيرة منه. واليوم تُعرض المسلة في متحف اللوفر في باريس.[3]
لكن أهمية المسلة لا ترتبط بقصتها المثيرة وحدها، بل بالأسماء والأحداث التي نُقشت عليها.
ميشع: ملك نعرفه من الكتاب والآثار
تبدأ المسلة بعبارة يعرّف فيها الملك نفسه، بما معناه:
«أنا ميشع بن كموش… ملك موآب، الديبوني».
وهذا هو الملك نفسه الذي يرد اسمه في سفر الملوك الثاني:
«وَكَانَ مِيشَعُ مَلِكُ مُوآبَ صَاحِبَ مَوَاشٍ، فَأَدَّى لِمَلِكِ إِسْرَائِيلَ مِئَةَ أَلْفِ خَرُوفٍ، وَمِئَةَ أَلْفِ كَبْشٍ بِصُوفِهَا. وَعِنْدَ مَوْتِ أَخْآبَ عَصَى مَلِكُ مُوآبَ عَلَى مَلِكِ إِسْرَائِيلَ» (2 ملوك 3: 4–5).
يلتقي النصان إذن حول نقطة تاريخية أساسية: كان ميشع ملكًا على موآب، وكانت موآب خاضعة لمملكة إسرائيل، ثم ثارت على هذه السيطرة.
لا تثبت المسلة وجود شخص يحمل اسم ميشع فقط، بل تضعه في الموقع الجغرافي والسياسي نفسه الذي يضعه فيه الكتاب المقدس: ملكًا موآبيًا يحكم من منطقة ديبون، ويقود تمردًا ضد إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد.
عمري وبيت إسرائيل
يقول ميشع في نقشه إن «عمري ملك إسرائيل» أخضع موآب مدة من الزمن، وإن ابنه استمر في السيطرة عليها، قبل أن يتمكن ميشع من استعادة الأراضي المؤابية.[4]
وعمري ليس شخصية مجهولة في الكتاب المقدس. فقد كان ملكًا على المملكة الشمالية، وأسس السلالة التي انتمى إليها ابنه أخآب، كما بنى السامرة وجعلها عاصمة للمملكة (1 ملوك 16: 23–28).
من اللافت أن المسلة تستخدم اسم عمري للإشارة إلى القوة التي حكمت إسرائيل وأخضعت موآب. وهذا يتوافق مع المكانة السياسية المهمة التي كانت لسلالته. حتى بعد وفاة عمري، استمرت بعض المصادر الآشورية في استعمال تعبير «بيت عمري» للدلالة على مملكة إسرائيل.[5]
هكذا تؤكد المسلة عدة عناصر معروفة من الرواية الكتابية: وجود مملكة تُدعى إسرائيل، ووجود ملك اسمه عمري، وسيطرة إسرائيلية على موآب، وقيام ميشع بالتمرد على هذه السيطرة.
مدن وأماكن نقرأ عنها في الكتاب المقدس
لا تتوقف نقاط الالتقاء عند أسماء الملوك. تذكر المسلة عددًا من المدن والمناطق المعروفة في الكتاب المقدس، مثل ديبون، وميدبا، ونبو، وعطاروت. كما تشير إلى وجود رجال من سبط جاد في منطقة عطاروت.[6]
يقول سفر العدد إن بني جاد طلبوا مدنًا شرقي نهر الأردن، ومن بينها عطاروت وديبون (العدد 32: 34–38). كما ترتبط ميدبا ونبو مرارًا بتاريخ موآب وإسرائيل.
هذا لا يعني أن كل تفصيل جغرافي في المسلة يطابق كل مرحلة زمنية في الكتاب المقدس دون حاجة إلى دراسة. لكنه يبين أن الأسماء والشعوب والمدن الواردة في السرد الكتابي تنتمي إلى عالم تاريخي حقيقي يمكن التعرف إليه في النقوش والآثار.
اسم يهوه في نقش موآبي
من أهم ما ورد على المسلة أن ميشع يروي استيلاءه على مدينة نبو، ثم يقول إنه أخذ منها «آنية يهوه» وقدمها أمام كموش.[7]
هذه العبارة شديدة الأهمية؛ لأنها تمثل شهادة غير إسرائيلية على أن اسم يهوه كان مرتبطًا بعبادة إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد. فالكاتب ليس كاهنًا إسرائيليًا يحاول الدفاع عن إيمانه، بل ملك مؤابي ينسب انتصاره إلى كموش، ومع ذلك يشهد بصورة غير مباشرة لإله إسرائيل وللعبادة المرتبطة باسمه.
المسلة لا توافق لاهوت الكتاب المقدس؛ فميشع يفسر الأحداث من خلال إيمانه بكموش. لكنها تؤكد الإطار الديني والتاريخي نفسه: إسرائيل تعبد يهوه، وموآب تعبد كموش، والصراع العسكري كان يُفهم في العالم القديم أيضًا بوصفه صراعًا دينيًا.
هل تروي المسلة القصة نفسها تمامًا؟
لا ينبغي أن نتوقع ذلك. سفر الملوك يروي حملة إسرائيل ويهوذا وأدوم ضد ميشع، بينما تحتفل المسلة بانتصارات ميشع واستعادته مدنًا من إسرائيل. كل نص يختار الأحداث التي تخدم غرضه ويقدمها من زاوية مختلفة.
وهذا لا يمثل تناقضًا بالضرورة، لأن الحرب لم تكن حادثة واحدة قصيرة، بل صراعًا ممتدًا حول السيطرة على الأراضي. كان بإمكان إسرائيل أن تحقق تقدمًا عسكريًا في مرحلة، ثم يستعيد ميشع مدنًا ويثبت استقلاله في مرحلة أخرى.
كما أن النقوش الملكية القديمة لم تكن تقارير صحفية محايدة، بل نصوصًا تمجّد الملك وانتصاراته. لذلك لا يذكر ميشع إخفاقاته، كما لا يقدم سفر الملوك سجلًا كاملًا لكل حملة خاضها الطرفان.
هناك أيضًا اقتراح بأن السطر الحادي والثلاثين من المسلة يذكر «بيت داود»، لكن هذا الجزء متضرر، وما تزال قراءته موضع نقاش بين المتخصصين. يرى بعض الباحثين أن التقنيات التصويرية الحديثة دعمت هذه القراءة، بينما يرى آخرون أن الحروف الباقية لا تسمح بتأكيدها.[8] لذلك لا يصح بناء الحجة الرئيسية على هذا السطر المختلف عليه، خصوصًا أن المسلة تقدم أدلة قوية وواضحة دون الحاجة إليه.
حجر من الأردن وشاهد من التاريخ
لا تثبت مسلة ميشع وحدها أن كل حدث في الكتاب المقدس وقع كما ورد بكل تفاصيله، فهذا ليس ما يستطيع اكتشاف أثري واحد أن يفعله. لكنها تدحض الفكرة القائلة إن الروايات الكتابية تتحرك في عالم خيالي منفصل عن التاريخ.
من حجر مؤابي اكتُشف في الأردن، نسمع اسم ميشع وعمري وإسرائيل ويهوه وكموش، ونقرأ عن الصراع بين موآب والمملكة الشمالية، وعن مدن وأراضٍ نعرفها من صفحات الكتاب المقدس.
والأهم أن هذه الشهادة لم تأتِ من صديق لإسرائيل، بل من عدو يروي الأحداث من وجهة نظره الخاصة. قد يختلف ميشع مع إسرائيل في تفسير الانتصار، لكنه يؤكد من حيث لا يقصد أن الملوك والممالك والمدن والصراعات التي يذكرها الكتاب المقدس كانت جزءًا من تاريخ المنطقة الحقيقي.
الهوامش
[1] يصف متحف اللوفر المسلة بأنها نقش مؤابي من أربعة وثلاثين سطرًا، مكتوبًا بأبجدية من النمط الفينيقي وبلهجة قريبة جدًا من العبرية.
[2] يؤرخ متحف اللوفر النقش إلى ما بعد سنة 842 ق.م. بقليل، ويربطه بإقامة مزار لكموش واحتفال ميشع باستعادة أراضٍ مؤابية من إسرائيل.
[3] اكتُشفت المسلة في ذيبان سنة 1868، ثم كُسرت، واستُفيد من الطبعة الورقية التي أُخذت للنقش قبل تحطيمها في إعادة بنائه. انظر أيضًا سجل القطعة في متحف اللوفر.
[4] للاطلاع على نص المسلة وترجمتها، انظر: John C. Reeves, “Moabite Stone (KAI 181)”; وكذلك André Lemaire, “What Does the Mesha Stele Say?”
[5] حول عمري وسلالته ومكانتهما في المصادر الكتابية والشرق الأدنى القديم، انظر: K. Lawson Younger Jr., A Political History of the Arameans: From Their Origins to the End of Their Polities, Society of Biblical Literature, 2016؛ وKenneth A. Kitchen, On the Reliability of the Old Testament, Eerdmans, 2003.
[6] تذكر المسلة ديبون وميدبا ونبو وعطاروت ورجال جاد، وهي أسماء تقابل مواقع وجماعات معروفة في نصوص العهد القديم. تظهر هذه الأسماء بوضوح في ترجمات النقش المنشورة.
[7] تعد الإشارة إلى «آنية يهوه» في المسلة من أقدم الإشارات المؤكدة إلى اسم إله إسرائيل خارج الكتاب المقدس.
[8] دافع أندريه لومير وجان فيليب ديلورم عن قراءة «بيت داود»، بينما رأى ماثيو ريشيل وأندرو برلنغيم أن القراءة لا تزال غير مؤكدة بسبب تلف السطر.